ظاهرة متكررة فى تاريخ الإسلام .. ســــنـوات بـلا حـــج

ســــنـوات بـلا حـــج

حسن حافظ

فرض فيروس كورونا إيقاعه على الجميع، أصاب العالم بالشلل، كان أحد أقسى تداعيات انتشاره مظهر الكعبة المشرفة وحيدة بلا زوار، بعدما أغلقت أبواب السلام، الأمر الذى شكل صدمة لأجيال من المسلمين الذين اعتادوا على المسجد الحرام العامر بعيال الله الذين جاءوا طلبا للرحمة والمغفرة، لكن العودة إلى التاريخ قد تقدم بعض السلوى، فالكثير من الأحداث الجسام مرت على الحرم وأوقفت الحج سنوات، سواء بفعل أخطاء البشر وصراعهم المحموم على السلطة، أو بفعل الأوبئة والطواعين، لكن فى المحصلة كانت أبواب السلام تعيد فتح أبوابها لزوار الحرم من كل فج عميق.
 

وأعلنت السعودية أن موسم الحج هذا العام اقتصر على مواطنيها والمقيمين داخل المملكة، حيث تم السماح لحوالى 60 ألف شخص فقط بتأدية الحج هذا العام، تتراوح أعمارهم بين 18 و65 عاما، وجميعهم تلقوا التطعيم، وتأتى هذه الإجراءات نظراً لاستمرار تفشى فيروس كورونا فى العالم، وظهور تحورات جديدة أسرع انتشارا وفتكا فى عدة دول، وتمثل هذه الواقعة المستجدة فرصة للدخول من بوابة التاريخ لاستذكار وقائع تعطل الحج سواء بصورة كلية أو جزئية، عبر تاريخ طويل يقارب الخمسة عشر قرنا، إذ تسبب الصراع السياسى والرغبة فى السيطرة على الحرمين الشريفين فضلا عن الكوارث الطبيعية وانتشار الأمراض والأوبئة فى تعطيل الحج أكثر من مرة عبر محطات تاريخية بارزة، حيث تم رصد 40 مناسبة توقف الحج فيها.

ولا يعد فيروس كورونا أول وباء يوقف مناسك الحج، فقد سبقه وباء الماشرى فى سنة 357هـ/ 967م، وهو داء انتشر فى مكة المكرمة وأدى إلى موت الحجاج، فتعطل الحج فى هذا العام، كما لعبت الكوليرا دورا فى إيقاف موسم الحج سنة 1246هـ/ 1830م، إذ تقول الباحثة لافيرن كونكه فى كتابها “أرواح فى خطر.. الصحة العامة فى مصر القرن التاسع عشر”، إن الكوليرا كانت تنتشر عن طريق حركة السفن فى المحيط الهندي، وأنها دخلت إلى مكة عن طريق الحجاج الهنود، ومن المدينة المقدسة انتقل المرض إلى مصر، وتحول الكوليرا إلى ضيف ثقيل يزور مكة كل عشر سنوات تقريبا حتى منتصف القرن العشرين، وكان يخلف ألف قتيل فى اليوم الواحد، فى وقت كانت رحلة الحج عملية شديدة الإرهاق وتستغرق عدة أسابيع قد تصل إلى أشهر، يتعرض خلالها الحاج إلى الكثير من المخاطر، فى رحلة كان عمادها الجمال تنتقل بين دروب الصحراء، والسفن التى تمخر البحار، يواجه الحاج قطاع الطرق الذين يفرضون الإتاوات، وغضب الطبيعة فى صورة سيول أو جفاف أو انتشار وباء.

لكن الصراعات السياسية كان لها النصيب الأكبر فى تعطيل مناسك الحج، فيذكر المؤرخ الطبرى فى كتابه “تاريخ الرسل والملوك” تعطل الحج لأول مرة بصورة جزئية فى خضم الصراع السياسى بين عبد الله بن الزبير والأمويين، إذ استطاع قائد الأمويين الحجاج بن يوسف الثقفى حصار قوات ابن الزبير الذى تلقب بـ”العائذ بالبيت”، فى الحرم المكي، ومنع الحجاج أهل مكة وقوات الزبير من الوقوف بعرفة سنة 73هـ/ 693م، فلم يحجوا، كما احترقت الكعبة نفسها بسبب قصف الأمويين لها بالمنجنيق قبل أن يعاد بناؤها مجددا على وضعها الحالي. ولم يشهد القرن الأول الهجرى أى تعطل لمناسك الحج بعد ذلك، لكن الأزمة التالية التى تسببت فى تعطل جزئى للحج تعود إلى بداية الخلافة العباسية إذ أعلن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن المعروف بالنفس الزكية ثورته على الخليفة العباسى أبى جعفر المنصور سنة 145هـ/ 763م، وجعل من الحجاز مركزا لثورته، لذا أمر والى مصر بمنع الحج فلم يحج فى هذا العام لا أهل مصر ولا الشام ولا المغرب.

لكن تظل الواقعة الأكثر دموية والتى أدت إلى تعطيل الحج بشكل كامل، تعلقت بالهجوم الذى شنته جماعة القرامطة الإسماعيلية المتطرفة والتى اتخذت من شرق الجزيرة العربية مركزا لدولتها، على الحرم المكي، فقد أراد قائد القرامطة أبو طاهر الجنابى إحراج خلافة العباسيين وإثبات عدم قدرتهم على حماية المناسك ما يفقدهم الحق فى خلافة المسلمين من ناحية، وفرض سيادة القرامطة على الحرمين من أجل تحصيل ضريبة من قوافل الحج، ولكى ينفذ قائد القرامطة أهدافه نفذ جريمة بشعة تمثلت فى مهاجمة الحرم المكى سنة 317هـ/ 930م، قبل بدء مراسم الحج بيومين فقط، فقتل جيشه أكثر من 30 ألفا من الحجاج، وكانت هذه هى المرة الأولى التى يتعطل فيها الحج بشكل كامل فى تاريخ الإسلام بحسب ما يذهب المؤرخ المسعودى فى كتابه “التنبيه والإشراف”، إذ يقول: “ولم يبطل الحج منذ كان الإسلام غير تلك السنة”.

لم يتوقف الهجوم عند هذا الحد الدموي، بل قام أبو طاهر الجنابى بطمر بئر زمزم بعدما طرح فيه أكثر من ثلاثة آلاف جثة، ثم نزع الحجر الأسود من موضعه وحمله معه إلى البحرين (شرقى الجزيرة العربية)، وظل بعيدا عن الكعبة لنحو 22 عاما، حتى أرجعه زعيم القرامطة وقتذاك سنبر بن الحسن القرمطي، وأعاده إلى موضعه وقال: “أخذناه بقدرة الله تعالى ورددناه بمشيئته”، بحسب ما أورد المؤرخ المكى تقى الدين الفاسى فى كتابه “شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام”، والذى أكد أن هذه الحادثة البشعة أدت إلى تعطيل الحج لعدة سنوات بلغت العشر، بسبب سيطرة القرامطة على الطرق المؤدية إلى الحج، بل إن المؤرخ الذهبى فى كتابه “العبر فى خبر من غبر”، يكشف عن أن قوافل الحج القادمة من العراق وبلاد فارس والمشرق الإسلامى قد تعطلت منذ سنة 314هـ/ 927م، بسبب مهاجمة القرامطة لجنوب العراق وتدمير البصرة.

كانت كارثة الهجوم القرمطى شديدة الوطأة على المجتمع الإسلامي، إذ أصبحت طرق الحج غير آمنة، ما دفع الخليفة الفاطمى المعز لدين الله لإرسال قائده جوهر الصقلبى من أجل ضم مصر لدولته، وكان شعار جوهر الرئيس أنه جاء لمصر لكى يتمكن من إعادة الأمن والأمان لطرق الحج، وبالفعل دخل فى صراع مع القرامطة الذين انتصروا على القوات الفاطمية فى الشام، واستطاع جوهر هزيمتهم أمام أسوار مدينة القاهرة بشق الأنفس فى العام 358هـ/ 969م، ثم انتقل المعز من إفريقية (تونس) إلى مصر وجعلها مقر خلافته، واستطاع أن يهزم القرامطة بقيادة الحسن بن أحمد القرمطي، وأجبرهم على التراجع إلى شرق الجزيرة العربية وفرض سيادة الفاطميين على الحجاز وبالتالى الحرمين الشريفين، وفرض الأمن على هذه المنطقة بعد فوضى استمرت لنحو نصف قرن.
لكن سيادة الفاطميين على الحرمين الشريفين اشعلت الصراع مع خصومهم من العباسيين، إذ ظهرت نظرية حينذاك تقول بأن من يسيطر على الحرمين الشريفين يعتبر الخليفة الشرعى لعموم المسلمين، وعندما بدأ الصراع كان التفوق الفاطمى واضحا على حساب الخلافة العباسية التى تعانى من حالة ضعف وتفكك مزمنة، لذا كانت قافلة الحج العباسى التى تضمن أهل العراق وبلاد فارس ومشرق العالم الإسلامى كله، تتعرض لموقف محرج عند وصولها لمكة، إذ كان الدعاء فى المناسك يتم للخليفة الفاطمى الذى لا يعترف به حجاج القافلة العباسية، وبسبب الاحتكاكات التى وقعت لم يحج أحد من الأراضى التابعة للخلافة العباسية بين سنتى 371هـ/982م، و380/991م، أى لنحو عشر سنوات اقتصر فيها الحج بحسب المؤرخ الفاسي، على الحج المصرى والشام والمغربي.
وشهد العام 401/1011م، حالة اضطراب سياسى عامة شملت مختلف أرجاء العالم الإسلامي، فانقطع الحج من جهة العراق وما وراءه ومصر وما وراءها، فاقتصر الحج على أهل مكة والحجاز وبعض أهل اليمن، ويعود هذا إلى الفوضى السياسية التى عاشتها بلاد الشام والعراق ما أدى لقطع طرق الحج، إذ أعلن حاكم الموصل والكوفة والأنبار الأمير قرواش بن مقلد العقيلى الخروج عن العباسيين ومبايعة الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله، بالتوازى مع فيضان دجلة ما أدى إلى غرق معظم مدن العراق فتعطلت طرق الحج بشكل كامل، أما الشام فقد دخلت فى فوضى بعدما خلع أمير فلسطين حسان بن الجراح طاعة الفاطميين، وتحالف مع أشراف مكة ضد الخليفة الفاطمى الذى أرسل الجيوش لمحاربة العصاة، فتعطلت طرق الحج، الأمر الذى عطل خروج قافلة الحج المصرية وكذلك الشامية على ما ذكر المقريزى فى كتابه “اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الخلفا”.

واستمرت الفوضى السياسية مسيطرة على العراق فى النصف الأول من القرن الخامس الهجري، بسبب ضعف الخلافة العباسية والصراع بين قادة العسكر على مختلف انتمائتهم السياسية والمذهبية، فاًصبح غياب وفود الحجاج العراقيين والفارسيين أمرًا طبيعيًا، إذ رصد السيوطى فى كتابه “حسن المحاضرة فى تاريخ مصر والقاهرة”، غياب الحجاج العراقيين لسبعة مواسم متتالية بين سنتى 417هـ/1027م و423هـ/1033م. ثم عاد الصراع السياسى على أشده بين العباسيين والفاطميين، منذ سنة 430هـ/1040م، والذى انتهى بانتصار الفاطميين ومنع الحجاج العراقيين حتى العام 445هـ/1054م، لكن سرعان ما انقلبت الموازين إذ دخلت الدولة الفاطمية فى فوضى الشدة المستنصرية التى استمرت سبع سنوات (457-464هـ/1064-1071م)، فى وقت عاد للخلافة العباسية بعض قوتها تحت قيادة السلاجقة الذين كونوا إمبراطورية من وسط آسيا إلى بلاد الشام، واستطاعوا إعادة الهيمنة العباسية على الحرمين الشريفين، وبالتالى منع الحجاج المصريين من زيارة المناسك.

وأدى الصراع بين ملوك المشرق من البيت السلجوقى إلى فوضى عمت العراق وبلاد فارس وخراسان وما وراء النهر، ما أدى إلى انتشار قطاع الطرق، وأصبح السفر لأى سبب شبه مستحيل، فما بالك برحلة الحج، إذ تذكر المصادر أنه فى سنة 486هـ/1094م، “لم يحج ركب العراق، وحج ركب الشام فنهبتهم العربان عشر مرات، وتوصل من سلم فى حال عجيبة”. واستمر تواجد الوفد المصرى فى سنوات نهاية القرن الخامس الهجري، لكن عندما هاجم أحد الولاة سفن التجارة المصرية رد وزير مصر الأفضل شاهنشاه بمنع تسيير قوافل الحج، وذلك لما تحققه قوافل الحج المصرية من وفرة اقتصادية لأهالى الحجاز، واستمرت حالة التوتر الأمنى وجود مصاعب مع قيام الدولة الأيوبية خاصة مع وجود الصليبيين فى بلاد الشام ومهاجمتهم للطرق المؤدية لبلاد الشام، بينما أدى الغزو المغولى فى النصف الأول من القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، إلى وقف الحج فى الأقطار الشرقية من العالم الإسلامي، بينما سادت الفوضى الشام فتوقف الحج القادم من هذه الأنحاء، بينما وصل الحج المصرى إلى الحجاز عن طريق البحر الأحمر، وعرفت الأمور بعض الاستقرار فى عصر دولة المماليك، والتى استطاعت عبر السيطرة على مصر والشام تأمين طرق الحج على الرغم من استمرار هجمات القبائل البدوية التى لم تنقطع طوال هذا العصر ما أدى لانقطاع الحج فى العديد من السنوات المتقطعة.

وتعطلت قوافل الحج بسبب هجمات تيمور لنك الذى غزا بلاد خراسان وفارس والعراق والأناضول والشام، فى بداية القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، وارتكب الكثير من المذابح وهزم الجيوش تلو الجيوش، ودمر المدن، فكانت النتيجة حسب المؤرخ الفاسى “لم يحج من الشام أحد على الطريق المعتادة، وسبب ذلك أن تيمور لنك قصد البلاد الشامية فى هذه السنة واستولى عليها وأخربها”، بل إن المؤرخ المقريزى قال إن نتيجة غزوات تيمور لنك عدم خروج قوافل الحج من الشام والعراق واليمن، لتظل حالة الانقطاعات فى مواسم الحج ظاهرة مستمرة طوال القرن التاسع الهجرى بسبب الأزمات التى شهدها العالم الإسلامى وقتذاك.

وتحت الحكم العثمانى خضعت الطرق المؤدية إلى مكة والمدينة بقطاع الطرق فكان التحرك داخل المناسك يتم تحت حراسة مشددة مخافة هجوم قطاع الطرق الذين فرضوا الإتاوة على قوافل الحج، وسادت الفوضى أكثر مع ضعف الدولة العثمانية فى القرن الثامن عشر الهجري، وأصبحت الطرق المؤدية إلى مكة والمدينة ممتلئة بقطاع الطرق، فأصبحت رحلة الحج محفوفة بالمخاطر وتستدعى من الحاج أن يكتب وصيته قبل أن يشرع فى الذهاب إلى الحجاز، وزاد الغزو الفرنسى لمصر سنة 1213هـ/ 1798م، من الفوضى فى منطقة الشرق الأوسط بعد احتلال نابليون لمصر ومهاجمته بلاد الشام، ما أدى لتعطل سفر قوافل الحج من مصر والشام وبالتالى الحج المغربى أيضا، وظلت هذه الأزمة حاضرة فى ملف الحج حتى القرن العشرين عندما تيسرت وسائل سفر أكثر راحة وأمنا.
وهكذا كان تأثير فيروس كورونا أخطر على موسم الحج من التتار والقرامطة، أو على الأقل له نفس تأثيرهم!

نسخ الرابط

أخر الاخبار

الإسلامالحجالمسلمينبـلاتاريخحـــجســــنـواتظاهرةفىفيروس كورونامتكررة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *