الحضن الأخير لأمى العزيزة

احتضنتها فى سيارة الإسعاف وقبلتها وأنا أقول لها: قولى لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهى فى عز تعبها تردد “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، ثم أقول لها قولى الحمد الله وهى تردد ورائى، بعدها قو لت لها ربنا معاك هو اللى هيتولاك وهو أرحم عليك منا متخافيش ربنا مش هيسيبك بهذه الكلمات ودعت أمى وهى ذاهبة إلى مستشفى العزل بالعجوزة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل مساء ثانى يوم العيد، وركبت أنا وإخوتى السيارة منطلقين وراء سيارة الإسعاف لتوصيلها إلى المستشفى، وكان هذا آخر لقاء بى، حتى صوتها لم أسمعه لأنها كانت فى الرعاية وكنت أطمئن من التمريض لأنها كانت لا تستطيع الحديث.

كان وداعى لها فى سيارة الإسعاف هو آخر لقاء لى بها وكنت أودعها واحتضنها بشدة وهناك جزء فى نفسى يحدثنى أنى لن أراها وكنت أعرف أنى بحضنى لها خاصة وأنها لا ترتدى كمامة بسبب حالتها الصحية أنى سآخذ عدوى فيروس كورونا، لكن هذا لم يشغل بالى لحظة، ولم أتردد فى أن أكون بجانبها منذ أن عرفت أن لديها حالة اشتباه.

ورغم أن أمى مريضة وقعيدة الفراش منذ ست سنوات إلا أن القدر شاء أن تأخذ الفيروس حيث أصيبت بقرحة أسفل الظهر وأردنا أن يراها دكتور قبل إجازة العيد حرصا منا حتى لا يزداد الأمر سوءا، وعدنا من زيارتها للطبيب لنجدها ترفض الاكل ثم ظهرت بعض الأعراض من ارتفاع بسيط فى الحرارة ونحن نظن أن السبب هو تنظيف جرح القرحة ليستمر امتناعها ها عن الأكل الا شرب القليل من العصير والماء ثم ذهبنا بها لمستشفى خاص لأنها كانت على وشك الدخول فى جفاف فتم عمل أشعة مقطعية لنفاجأ بأن لديها اشتباه كورونا ثم أجرينا المسحة وجاءت إيجابية.

 وعدنا إلى البيت لنبحث عن إجراءات نقلها لمستشفى حيث كانت حالتها تحتاج لرعاية ومكثنا بجانبها يومين وانا وشقيقتى الأصغر بجانبها على السرير فامى قعيدة منذ 6 سنوات لا تحرك يدها ولا قدميها، وبالتالى كانت تحتاج لرعاية دائمة كانت كلما تتوجع اجد نفسى احضنها بدون أن اشعر واقبلها واطبطب عليها وبعد أن انتقلت لمستشفى العزل بدأ يظهر على أعراض إصابتى بالكورونا فأجريت مسحة وظهرت أنها إيجابية وحمدت الله وكان لدى ضيق فى التنفس فكان لابد من دخولى مستشفى وبالفعل دخلت مستشفى العزل بعد دخول أمى بسبعة ايام وكانت الايام بالمستشفى ثقيلة جدا على لان امى كانت حالتها غير مستقرة حيث كانت تاكل من انبوب عن طرق الانف وكانت حالتى النفسية صعبة فكنت دائما البكاء عندما اتذكر امى وكنت الجا إلى القران والصلاة على النبى والاستغفار حتى أهدأ ودائما كنت أدعو يارب يارحمن يارحيم خليك مع امى وخفف عنها وكان تقرير المستفى الذى يصلنى يقول.

ان نسبة الأكسجين 96%والنبض كويس لا مشكلة لديها الا عدم الاكل وكأن الله اراد أن يرفع درجاتها عنده فاصيبت بالفيروس ليكون سببا لأن تلقاه وهى شهيدة محتسبة صابرة على مرضها طوال السنوات.

وفى فجر يوم الجمعة صليت فى المستشفى ودعيت كما هو عادتى يارب انت ارحم على امى منا يا رحمن الدنيا والآخرة خفف عن امى وعند الساعة الثالثة عصر الجمعة بلغنى زوجى أن امى انتقلت إلى ربها وتم دفنها لأغلق التليفون واجلس على الأرض.

ومهما وصفت لكم شعور الانسان عندما يكون محبوس لا يستطيع أن يدفن أو يودع امه لن استطيع مرت الدقائق على وكأنها ساعات وحيدة بالغرفة لا احد معى الا الله ومع البكاء كنت استرجع صورتها وهى على سجادة الصلاة وحضنى لها بسيارة الاسعاف وهى تردد الشهادة فاشعر بمزيج من الحزن والراحة والاطمئنان عليها والايمان العميق بانها فى الجنة بإذن الله فقد كانت دائما كثيرة الصيام حتى انها كانت تصوم رجب وشعبان ورمضان وتعتكف الايام العشرة الاخيرة من رمضان قبل أن تصبح قعيدة وتصبح مريضة ضغط وقلب وسكر ولا اخفى عليكم انى كنت دائما اتمنى أن تلقى ربها يوم الجمعة لأنه علامة حسن الختام.

وبعد رحيلها بخمسة أيام خرجت والحمد الله من المستشفى رغم ما مررت به من ظروف نفسية صعبة ومناعة ضعيفة وضيق فى التنفس وكانت رحمة ربى كبيرة اعرف انها ارادة الله لكن كان دائما هناك شعور داخلى انى سانجو من الفيروس اللعين لأنى أخذته من أمى فكانت رحيمة معى كعهدها حتى آخر لحظة.

اللهم إن أمى صبرت على البلاء فلم تجزع فامنحها درجة الصابرين فأنت القائل وقولك الحق: “إنما يوفى الصابرون أجورهم بغير حساب”

عن محمد الزملكاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *